سني نيوز : إن التطور في علاقات إيران مع دول العالم تعبر المحيط الأطلسي للتواصل معها، ليست حالة غير مسبوقة في العلاقات الدولية بطبيعة الحال، لكنها في الحالة الإيرانية ذات دلالات مهمة للغاية، في حد ذاتها و فيما تعكسه بشأن ملامح الإستراتيجية الإيرانية وتوجهاتها وعوامل قوتها وشمولها وتوسعها. في الجانب المباشر يبدو أن إيران اختارت أن تتواصل مع دول تستهدف التعاون معها إحداث حالة ضغط على الخصم الاستراتيجي لإيران في اخطر نقاط سيطرته دوليا. أو لنقل إن إيران خططت أن تقابل حصار الولايات المتحدة لها في محيطها الإقليمي، بنمط من العلاقات المضادة مع دول في محيط الهيمنة الأمريكية في أمريكا اللاتينية بما يمنحها عوامل قوة في إقليمها هي، وفى ذلك يمكن القول بان إيران قد نجحت فيما اخفق فيه النظام الرسمي العربي، الذي رغم كثرة إشارات أمريكا اللاتينية له بضرورة التعاون المشترك- الآن ومنذ فترات زمنية طويلة سابقة - لم ينجح هذا النظام في مد خطوط التواصل على هذا المستوى الذي وصلت إليه إيران مع أمريكا اللاتينية. لقد عاشت بلدان تلك القارة حالة ثورية كبرى في الخمسينيات والستينيات وهو ذات زمن الاستقلال والثورية في الحالة العربية. لكن الأمور بين الطرفين لم تتخطى حدود الدعم والتأييد الإعلامي والسياسي إلى درجة التعاون الاستراتيجي إلا في حالات مبسطة و وقتية وكان اغلبها يتعلق بعمليات التصويت في الأمم المتحدة، أو بالدقة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. لكن الأهم و الأبعد من هذا الجانب الأولى، هو ما يطرحه أمر العلاقات المتطورة لإيران من خلال عبور المحيطات مع مختلف الأطراف الإقليميةوالدولية،وفق إستراتيجية واضحة ومحددة،يجرى العمل بدأب على إنفاذها منذ سنوات طويلة.
ففي الوقت الذي عبرت إيران المحيط، فهي كذلك عبرت إلى أكثر من موقع في إفريقيا. إذ تتحرك إيران بشكل واضح نحو علاقات إيرانية واسعة في إفريقيا إلى درجة التواصل مع نيجيريا – مثلا – حول تصدير التكنولوجيا النووية الإيرانية لها في مجال الطاقة الكهربائية. كما أن إيران تتحرك باتجاهات عديدة في محيطها الإقليمي الأبعد، سواء باتجاه روسيا أو الدول التي كانت من قبل تحت عباءة الاتحاد السوفييتي السابق أو باتجاه باكستان و الهند أو باتجاه الصين ودول ميثاق شنغهاى، أو باتجاه المنطقة العربية في أكثر من موقع وموضع، أو باتجاه تركيا وبطبيعة الحال تجاه خصمها الاستراتيجي "إسرائيل". ولعل ما يطرح دلالات أخرى وأبعادا ذات طابع دولي مهم للإستراتيجية الإيرانية، هو أن إيران تحاول جاهدة أيضا استعادة دور ونشاط دول عدم الانحياز، وكذا أن إيران ومنذ بداية ثورتها طرحت أفقا إسلاميا عاما لإستراتيجيتها، ظهر جليا في استضافة قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في وقت مبكر و وفق زخم سياسي وإعلامي اظهر المنظمة وكأنها جاهزة لتكون بناء دوليا كبيرا مختلفا عن تلك النظرة التي كانت سائدة حول تلك المنظمة، إذ سعت إيران لتحويلها من منظمة نشأت لمواجهة حدث حريق المسجد الأقصى، إلى منظمة طموحة إلى بناء كيان إسلامي دولي.
فكيف نرى إستراتيجية إيران وما هي محدداتها وحدودها؟
شواهد إستراتيجية :
واقع الحال، إن أهم مفاتيح فهم الإستراتيجية الإيرانية - والتي تحتاج لدراسات لا إلى مقالات حال دراستها تفصيلا - هو أن إيران امتلكت الإرادة على مستوى شامل، سواء في وضع الدراسات الإستراتيجية أو متابعة إنفاذها، ومن خلال إدارة إستراتيجية لمستوياتها ومحدداتها تجمع بين الذكاء في الحركة والإرادة في المواجهة. وكما أنه لا إستراتيجية دون إرادة، فان أهم ما امتلكته إيران وما تزال.. هي الإرادة.
ولعل المفتاح الثاني في فهم هذه الإستراتيجية، هو أننا أمام دولة شهدت استقرارا في بنائها السياسي وتسلسل سلطاتها وحالة الانسجام في إدارة مقومات قوتها الداخلية والإقليمية والدولية، بما حقق لها حالة من الاستقرار والتواصل لخططها الإستراتيجية وإنفاذا لمراحلها المتتالية دون ارتباك أو انقطاع أو انقلاب على بعضها البعض، مهما كانت التعديلات التي تدخل عليها استجابة للظروف والضغوط والمستجدات. لقد تميزت الإستراتيجية الإيرانية بالثبات في أطرها العامة ونمط إدارتها،ولم تعش الحالة العربية المعروفة. أو لم تصب بالمرض العربي الأشهر، إذ من يصل إلى الحكم يعيد تغيير كل شيء في الدولة والمجتمع – بل حتى يعيد كتابة التاريخ- وكأنه جاء من فراغ و يبنى في فراغ،بما جعل دولنا تشهد انقلابات و تبدلات سياسية دون انجازات ذات طابع استراتيجي إلا فيما ندر.
والمفتاح الثالث في فهم الإستراتيجية الإيرانية، هو أنها اعتمدت – كما يبدو من خلال قراءة خطواتها واستنتاج اتجاهات حركتها – على ثلاثة مفاهيم حددت الإطار المرجعي العام لكل خططها واتجاهاتها وحركتها ومراحلها، بما وفر لها نسيجا متماسكا من الثبات والتجدد دون تبديل.
المفهوم الأول: هو أنها اعتمدت الإطار المذهبي (داخل إطار المنظومة الإسلامية بطبيعة الحال) ومن خلاله تمكنت إيران على نحو ما، من استنهاض قوى مجتمعية كانت خامدة قبلا في مجتمعات ودول أخرى، لتصبح رصيدا استراتيجيا وقوى مساندة لسياستها أو منفذة لإستراتيجيتها كعامل قوة في دول ومجتمعات عديدة في المحيط بما أضاف للقوة الذاتية الإيرانية قوى بعضها ذو تأثير حاسم في تعظيم القدرة الإيرانية وإنفاذ إستراتيجيتها في الإقليم. وإذا كان المثال الأبرز هو ظاهرة حزب الله، وهذا الجهد المتنامي والمدروس الداعم لتلك الظاهرة عبر سنوات طوال بدأت من الصفر تقريبا وتحولت به إلى قوة كبيرة التأثير في لبنان والمحيط، فقد تحولت إيران من خلاله إلى لاعب إقليمي على أكثر من صعيد، إذ أصبحت إيران في موقع المواجهة المباشرة مع خصم إقليمي لها هي إسرائيل، كما أصبحت إيران صاحبة دور مباشر ريادي وقيادي في الإقليم العربي، وكذا هي أصبحت في وضع القادر على بناء تحالف إقليمي يحقق إستراتيجيتها ويحقق لها الحضور والقدرة على الصراع دفاعا عن نفسها من خارج أرضها بامتداد هذا التحالف من حدودها إلى سوريا ثم لبنان.. الخ. وهكذا الحال في الدور الإيراني في أفغانستان والعراق وفى دول عربية أخرى، الذي مثل نمطا من اعتماد هذا الفهم و البناء على هذا البعد لتحويل إيران إلى دولة ذات قدرات إستراتيجية في الإقليم اعتمادا على مقومات من داخل الدول الأخرى، الممتدة من باكستان وحتى حدود تركيا.
- المفهوم الثاني، هو أن إيران اعتمدت نمطا من التحالفات شديدة البراجماتية في علاقاتها الدولية، فلم تدخل الخلافات العقائدية و الأيديولوجية في حسابات المصالح مع الدول الأخرى. المثال الأبرز لهذا النمط من البراجماتية، هو ما جرى من تحالف أو تقاطع مصالح بين إيران والولايات المتحدة، خلال غزو واحتلال العراق، إذ رأت إيران أن من صالحها استراتيجيا الإطاحة بنظامي طالبان وصدام حسين، كما هي -من بعد- لم تستنكف التعاون مع السلطات التي عينها الاحتلال الأمريكي، بل هي من وضعت مخططات لبسط نفوذها – تحتياً – في كل تلك النظم إلى درجة تحولها إلى دولة تمارس لعبة الاحتلال المزدوج، وهو ما جعلها في نهاية المطاف دولة ذات نفوذ و دور في كلا البلدين على حساب قوة الاحتلال الأصلية ذاتها من جهة وعلى حساب القوى الوطنية في كل من العراق و أفغانستان من جهة أخرى. وهو ما حدد صفة عامة لنمط التفكير الاستراتيجي الإيراني في علاقاتها بدول المحيط وبالقوى الدولية إذ هي قبلت التعاون مع عدوها الاستراتيجي من اجل إطاحة أعداء مباشرين ولتثبيت نفوذها في داخل الدول الأخرى.
- والمفهوم الثالث والمحدد للإطار المفاهيمي للإستراتيجية الإيرانية، هو أن بناء القدرة الذاتية الذي هو أصل ومحور النشاطات والعلاقات والتحالفات والصراعات جميعها،قد تحول من هدف إلى مفهوم. الأهم أن بناء القدرة الذاتية في الحالة الإيرانية انه تحول من هدف إلى مفهوم أو إلى إطار مفاهيمي وقيمي، وليس كإطار سياسي واستراتيجي فقط. وفى ذلك يبدو أن دراسة الإستراتيجية الإيرانية للبناء والتطوير الداخلي وتحقيق النفوذ في الإقليم وفى العلاقات الدولية، يحتاج إلى دراسات معمقة حول مفهوم البناء الذاتي وليس فقط حول اعتماد البناء الذاتي هدفا وخطة إستراتيجية. وفى هذا التحول بالهدف إلى درجة المفهوم يبدو الأمر ناتجا – باختصار - عن رؤية مفاهيمية ذات جذور، وأبعاد تاريخية تتعلق "بالمظلوميات" والإرث التاريخي الذي جعل خطة بناء دولة لهذا "المذهب" ترتقي من الهدف إلى المفهوم. والفارق أن بناء الدولة هنا يرتبط بصراع مفاهيمي لا بصراع حول القدرات ويتعلق بمعالجة موروثات وتحديها لا بمجرد بناء دولة قوية... الخ.
شمولية التخطيط:
و واقع الحال، إن الإستراتيجية الإيرانية إذ امتلكت تلك العوامل والمفاتيح وإذ اعتمدت تلك المفاهيم، فإنها اعتمدت غطاء شاملا ومتوسعا من التخطيط من الإقليمية إلى الدولية، بما أفاد تلك الإستراتيجية في إنفاذها، من زاوية توفير المزيد من البدائل المتعددة للحركة دون ارتباك في المناورة و بما منح القدرة على تحقيق المكاسب في معظم الأوقات. ذلك أن إحدى مشكلات التخطيط "العربي" في مراحل عديدة، كانت تحديدا في ضيق رقعة التخطيط والتفكير والانطواء إلى نمط من الإقليمية، و ربما المحلية في بعض الأوقات، بما ضيع فرصا كانت سانحة في الوضع الدولي في مراحل عديدة،كان يمكن في حال التفكير المسبق باحتمالات حدوثها، أن تحقق للعالم العربي الكثير من المكاسب التي كانت بدورها تحقق له حضورا دوليا متزايدا في التأثير وفق دورة متوسعة في التأثير الدولي و نمو القدرة الذاتية في ذات الوقت.
وإذا كنا بدأنا التحليل بالإشارة إلى هذا التواصل الاستراتيجي بين إيران و دول أمريكا اللاتينية، فذلك نموذج مهم و مثال للقدرة على اختراق المسافات والوصول إلى مساحات من المناورة و الانجاز. وفى القراءة المتأنية للسلوك الإيراني يظهر أن إيران قد وضعت إستراتيجيتها على نحو شامل وفق قراءة دقيقة للوضع الدولي،حتى يمكن القول بان الإستراتيجية الإيرانية لمفهوم البناء الذاتي،قد ارتبطت برؤية للتحول إلى قطب اكبر من أن يكون إقليميا، وقد يصل إلى مستوى التأثير الدولي، و إلى درجة تدفع للتوقع أن إيران ستدخل في مرحلة لاحقة في صراع حول، طلب تمثيلها في مجلس الأمن الدولي،كدولة دائمة العضوية.
إن ملامح الرؤية الإيرانية، التي يظهرها نمط التحرك الإيراني إلى ما بعد الإقليم، و كذا المبررات التي تسوقها إيران بشكل متصاعد لأسباب امتلاكها لعوامل القوة التكنولوجية و التسليحية، و نمط البناء و التطوير للعلاقات الدولية لإيران،كلها تشير، من زاوية النظر الأبعد و الأشمل إلى أن إيران تستهدف التحول إلى قطب دولي وليس إقليمي فقط،حتى و ان بدا الأمر الآن حلما و وضعا غير واقعي في ظل التوازنات الدولية القائمة الآن،لكنه قد يكون قابلا للتحقيق في إطار التغيرات الجارية في الوضع الدولي،وفى ظل الصراعات الإقليمية المتحولة الآن باتجاه تفكيك العديد من الدول،وفى ضوء تصاعد القدرات الإيرانية مع الإخلاء المتصاعد لعوامل القوة لدى أطراف ودول إقليمية تنافسها على هذا التمثيل الدولي.
المصدر: الراصد نت .