خاص بسني نيوز : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... تعرفت على حضرتك من خلال شاب متحمس للنزعة التجددية في الفكر الإسلامي المعاصر، وقد استفدت من بعض محاضراتكم، ورأيت فيكم شعلة من النشاط والحيوية، وحماسا دفاقا.
وبالرغم من أن أسلوبكم في بعض أطروحاتكم كان أسلوبا استفزازيا ينقصه شيء من حنكة الحكماء ورصانة المشايخ إلا أن سعة اطلاعكم على جوانب من موضوعاتكم كان يغطي على تلك المثالب التي كنت أتصورها في خطابكم.
ودوما كنت أتمنى لكم المزيد من التوفيق والمزيد من النشاط وحرصت كثيرا على أن أستشهد ببعض كلامكم في محاضراتي وأشوق طلابي – ولا سيما الشيعة منهم – للاستماع إليكم.
قبل أكثر من شهر جاءني نفس الشاب الذي عرفني على حضرتك، بقلب مكسور و عواطف جريحة ليرشدني على انتاج آخر من عملكم، طالبا مني أن أكتب ردا على حضرتكم!
رأيتكم تحملون رفشا ومعولا تفتشون بين قبور التاريخ لتخرجوا أناسا واراهم التراب وأصبحوا رفاتا لتحاكموهم بقضايا تنسجونها في خيالكم، ولتعلقوهم بعد ذلك على مشانق من حديد لسانكم دون رحمة وشفقة، بل دون احترام للمنبر الذي تقفون عليه بكلمات أخف ما يمكنني أن أصفها؛ أنها بذيئة لا تليق بداعية مثلكم أن يتفوه بها، فاللغة لم تضع هذه المفردات للمنابر وللدعاة وإنما للشوارع!
طالما جرحت مشاعري وأنا أستمع لمثل هذه الرؤية الداكنة من دعاة الشيعة الصفوية في بلدي ( إيران ) وطالما حاولت وحاول كثير من إخواني المثقفين أن نغير الرؤية القبورية والعيش في التاريخ المنسي وإخراج الفتن والأشلاء المنتنة من تحت ركامه لتعيش بيننا في خطاب أصحاب القرار والدعاة التقليديين في إيران إلا أننا لم نجني شيئا حتى الآن. وهذا ما يجعلني أؤمن بأن الشيعة الاثنا عشرية في إيران حكمت على نفسها بالزوال والموت الأبدي السرمدي، وستكون حكايتها من حكايات التاريخ - كزميلتيها الفاطمية والقرمطية – دون أن تكون لها وجود في الواقع! فمن عاش بين القبور لن يستطيع إحياء الموتى لكنه سيلحق بهم لا محالة!
أخي الدكتور العلامة عدنان إبراهيم (حفظك الله):
استمعت لأكثر من محاضرة وخطبة وأنت تصب فيها جام غضبك على بعض صحابة الرسول – صلى الله عليه وعلى آله و صحبه وسلم – ودونما أي رحمة لأئمة الإسلام أمثال؛ الإمام أحمد وابن تيمية وابن كثير و ابن العربي وغيرهم – رحمهم الله - الذين عاشوا أيامهم وكانت لهم بصماتهم في صناعة الحياة، وكما ان احدا لم يدع يوما أنهم كانوا معصومين (!) بل هناك ضرورة للتقويم والمراجعة والتقييم على أسس وضوابط شرعية وعلمية ووعي نقدي هادئ وهادف يساهم في النهضة بعيدا عن الفتنة ومراعاة للفهم والعمر العقلي للمستمعيين كما كان عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم، إلا أنك تصور لمستمعيك وكأن الأمة اليوم تقف وراء يزيد وتحارب آل البيت وتدين بالناصبية دينا وأنت تقف درعا أمام الإمام الحسين – رضي الله عنه وسلام الله عليه – تدافع عنه!
ولست أرى في الأمة يزيدا، فقد ظلم الرجل نفسه فأضاع اسمه وأهان أباه، وقد كانت الأمة طوال تاريخه مع أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) – فديته بأبي و أمي -، وكانوا حسينيين في تعاملهم مع فراعنة العصور، وما الثورات العربية اليوم إلا ترجمانا لذلك الشعور الاجتماعي للأمة المسلمة.
وكمنهجية عامة في إنزال حكم على عصر من العصور أقول كما قال الدكتور طارق السويدان بأن لكل عصر رؤيته التي لا تليق بنا في هذا العصر أن ندرسها وننقدها بعيدا عن مساقاتها وسياقاتها التاريخيه، فالحوادث تدرس في ملابسات واقعها، وقد استمعت منذ سنين إلى محاضرات أربعة للدكتور طارق السويدان عن سيرة "عبدالله بن الزبير" وجدت فيه هذا الروح في العرض أتمنى أن تستمع إليها، ليتضح ما أعنيه أكثر.
أخي الدكتور عدنان إبراهيم (حفظك الله):
إذا قلت لحضرتك؛ ما الهدف من وراء هذه المحاضرات التي تحاكم فيها أجساد الماضي في محاكم القرن الواحد والعشرين ومن خلال تصورات عرفتها الأمة منذ فجرها وأدركتها العقلية الأروبية اليوم، وعلى منبر مسجد في النمسا؟!
فكل ما تقوله تسنده إلى بعض قراءاتك في بعض الكتب، بعبارة أخرى إنك تعترف بوجود كل هذا الكلام، وأن غيرك قد قاله منذ مئات السنين!
وأقول هذه هي الأمة يا شيخي! كانت الأمة الإسلامية – وما زالت – تحمل في طياتها ثقة بنفسها ومستوى من الإدراك والوعي الجماهيري والإجماع على المنهج القرآني في استيعاب و تحمل لجميع الأفكار وهي تفتح أمامها الأبواب بكل اعتزاز وفخر بمبادئها، بل و تسجلها وإن لم توافقها وترتضي بها ـ وهذا ما أثار استغرابك ودهشتك ـ احتراما للرأي الآخر، ولإعطاء المجال للواحد بالمائة من احتمال الصواب أمام تسع و تسعين بالمائة من الثقة على خطئه!
وهذا يعني أنك لم تأت بشيء جديد، إلا السعي إلى إخراج الرفات من القبور؟!
وليس في أمتنا اليوم من يعرف يزيدا ويعيش أحداثه إلا شيعة إيران ومن تبعهم! فيا ترى كم حجمهم وأين مكانتهم في حضارة الأمة ورقيها؟!
أما علماء الأمة الذين لم يسلموا من هجومك وتصويرك لهم بأنهم يعادون أو يبررون، فلم يكونوا قط في تاريخنا معصومين، وكانوا دوما تحت أقلام النقد من قبل جهابذة أمثالهم، ولحضرتك أن تنتقد آرائهم وتدرس أساليبهم منذ أبي بكر الصديق – رضي الله عنه و عن سائر صحابة الرسول وأهل بيته – إلى معاصريك، ولن ينال أحد منك، بل النقد العلمي دون التجريح والشتم واللعن – الذي هو من أساليب الجهلة وأصحاب الأهواء – هو نافذة إلى الآفاق الجديدة. ثم ينبغي ألا ننسى بأن هؤلاء الأعلام عاشوا عصورهم؛ فهذا يدرأ عن فتنة يراها، وذاك يذب عن حرمات الدين حرصا للوحدة، والثالث يبحث عن مصلحة يوجبها عصره، والرابع يحرص على رؤية يتمناها لزمانه، ولأنهم كانوا مخلصين وصدقوا الله واتقوه فكتب لهم لسان صدق في الآخرين.
فإسقاط كلامهم على زماننا، والرد عليهم بعيدا عن واقعهم التاريخي لا يعد شطارة بحال من الأحوال، لكن ما ينبغي أن نتعلمه منهم هو؛ أن نعيش عصرنا مثل ما عاشوا عصورهم، وأن نساهم في صناعة حياتنا اليوم، كما كان لهم بصماتهم في صناعة عصورهم أمس.
أليس أجدر بنا يا دكتور عدنان إبراهيم (حفظك الله) أن ندع الخلق للخالق، ولا نستعير عباء "المنكر والنكير"، ونواكب الأمة في نهضتها و يقظتها وحضارتها؟!
رأيت البارحة كماً كبيرا من الردود عليك، وتمنيت ألا يكون قد رد عليك أحد، فإنهم قد سوقوا لك بجانب مشاركتهم لحضرتك في إضاعتهم لكثير من أوقاتهم وأوقات شباب الأمة التي كانت أجدر في أن تستغل في بناء الحاضر لا البحث بين الجثث والقبور!
أخي الدكتور عدنان إبراهيم العزيز!
لو سمعت هذا الخطاب عن غيرك لعلي كنت أقول في نفسي:
دعوه فإنه شاب مغتر يشعر بالتهميش، وقد وجد منبرا يريد أن يبرز نفسه من خلاله، ولم يحالفه الحظ فوجد الصعود على الجبال أكبر وسيلة لإبراز قامته. فأخذ يناطح الأسماء التاريخية ليلتفت إليه الناس ويشبع النقص الذي في شخصيته، ولا شك بأن الردود تفرحه وتعجبه!
أو كنت أقول: رجل ممن يعاني من المراهقة الثقافية، وقد نال أحد من كرامته، فاستشاط غضبا وها هو ينتصر لنفسه!
لكنك لست أيا من هؤلاء، وإنما كفاءة تصنع، وقلب ينبض حبا لأمته – ولا أزكي على الله أحدا - فمن هنا رأيت أن أكتب لحضرتك هذه الرسالة من واجب النصح لخاصة المسلمين، ولم أجعلها مفتوحة إلا لأن أمرك أصبح حديث شريحة من الناس، فأحببت أن يطلع عليها غيرك، طمعا في الوقوف على جادة الصواب.
أخي الدكتور عدنان إبراهيم (حفظك الله):
أتمنى أن تقف مع كلامي وقفة متأمل وتراجع منهجك وأسلوبك، فإنك قد خلقت لغير هذا، وإن الله عزوجل قد أنعم عليك عقلا وثقافة وأودع فيك كفاءة لتساهم في بناء حضارة الغد، لا أن تعيش بين أوحال الماضي. وإن الله سائلك عما فضل عليك من النعم لا محالة؛ "ولتسألن يومئذ عن النعيم"!
أمنياتي أن تكون دوما في رعاية الحق سبحانه، وأن يسدد خطانا ويهدينا إلى ما فيه رضاه والجنة، ويجنبنا أهواء النفس واتباع الشهوات، ويجمعنا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله إخوانا على سرر متقابلين.
أخوك/ د. مصطفى محمدي
استاذ جامعي – مدينة مشهد الإيرانية